وختاما، المنهج العلمي هو طريقة استخراج المعرفة وطريقة تنظيم المعرفة وطريقة مناقشة المعرفة بطريقة نقد المعرفة.
Dokumentasi
بقلم
الشيخ الأستاذ الدكتور محمد سالم أبو عاصي
أستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر بالقاهرة
عميد كلية الدراسات العليا بالأزهر سابقا
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على سيد الخلق سيدنا محمد صلوات الله عليه وسلامه.
وبعد.
فالقرآن الكريم - على ما يقول الشاطبي في كتابه "الموافقات" - هو كلية الشريعة وعمدة الملّة وينبوع الحكمة وآية الرسالة ونور البصائر والأبصار، وأنّه لا طريق إلى الله سواه ولا نجاة لغيره ولا تمسّك بشيء يخالفه، وهذا كله لا يحتاج إلى تقرير واستدلال عليه لأنّه معلوم من دين الأمة.
وفي إبحار ماهر في محيط التفاسير القرآنية التقط لنا الدكتور محمد عفيف الدين دمياطي رملي الإندونيسي - حفظه الله - دررا جلّاها لنا بتثبّت هدايات القرآن الكريم ومظاهرَ إعجازه المتعددة والمتنوّعة، وذلك في كتابه الرائع "كنوز الرحمن في دروس القرآن".
ولا يسعنا ونحن على شاطئ الكتاب من تأمّل تلك الكلمة النيرة الدقيقة والتي وضعها الدكتور عفيف الدين على صدر الكتاب (هدايات قرآنية وتوجيهات ربانية لبناء الإنسان وإصلاح العمران).
ومن المعروف أنّ القرآن الكريم من أوّله إلى آخره إمّا حديث إلى الإنسان وإمّا حديث عن الإنسان. ومن المعروف كذلك أنّ الغاية من خلق الإنسان والمجيء به إلى هذا الوجود هو عمارة الكون: {هُوَ أنشأكم منَ الأرْض واسْتَعْمَرَكم فِيْهَا}[هود: 61].
ومن المقرّر في علم الأصول أنّه ثمة فرقا بين أخذ الأوصاف عناوين تشير إلى الموصوف، ومن ثمّ فلا رباط بينها وبين الحكم المرتّبة عليها، وبين أخذها عللا وأسبابا لثبوت تلك الأحكام المترتبة عليها.
وعنوان الكتاب "كنوز الرحمن..." من النوع الثاني، وذلك حيث بيّن الدكتور عفيف الدين مقصده، فقال: "ويقصد بدروس القرآن خلاصة ما جاء في دلالات الآيات القرآنية وفوائدها وإرشاداتها وإشاراتها ومفهوماتها وأحكامها ومقاصدها التي تهدي إلى ما فيه صلاح الإنسان في الدنيا والآخرة، مستفادةً من تدبّرات السلف والخلف مسوغةً بأسلوب محكم يتسم بالدقة والوضوح في نقاط واضحة محددة يستطيع المتدبر للقرآن الكريم أنْ يضعها مستهدفا له خلال فترة زمنية ليقوم بتحقيقها في واقعه الفردي والاجتماعي".
والواضح كل الوضوح من سياق تعريف دروس القرآن أنّ الغاية منها هي تفعيل أحكام وآداب القرآن في الواقع المعيش.
ثم ذهب المؤلف - حفظه الله - في بداية كتابه إلى ذكر نماذج من هذه الدروس التي يريد إبرازها كما هو مذكور في الصفحات الأولى.
وأحب أنْ ألفت النظر إلى أنّ العلم منهج وأدوات ومصادر، ومن خلال تقدمة الكتاب نبيّن هذه الأمور الثلاثة، أمّا المنهج فتستطيع أنْ تقف عليه عزيزي القارئ من خلال التعريف الذي سبق ذكره.
وأمّا الأدوات فتتجلّى في النقاط التالية:
الأولى: الاستدلال من ألفاظ الآيات ونظمها وأساليبها، وهنا ينبّهك المؤلف - حفظه الله - إلى مناشئ الدلالات القرآنية وما فيها من حكم وأسرار.
الثانية: النظر إلى أسباب النزول، وممّا هو معلوم أنّ معرفة السبب أو المناسبة تعين على معرفة المسبب.
الثالثة: مراعاة المناسبة بين الألفاظ أو الكلمات ومعانيها.
الرابعة: مراعاة السياق (سباقا ولحاقا)، والقرار اللغوي أنّ الكلمة تستمدّ حياتها وإحياءها من السياق، وأنّ السياق يحدد المراد.
الخامسة: استخلاص مقاصد الآياتـ وهذا من أهم القضايا في عصرنا الحاضر.
وأمّا مصادر الكتاب فقد صرّح المؤلف أنّه اعتمد أوّلاً على الآيات القرآنية، ثم السنة النبوية، ثم تدبرات السلف والخلف.
وختاما، المنهج العلمي هو طريقة استخراج المعرفة وطريقة تنظيم المعرفة وطريقة مناقشة المعرفة بطريقة نقد المعرفة.
وما أحوج العالَم الإسلامي والواقع المعاصر إلى هذا التفسير القيم الذي يسدّ بابا في مكتبة تفسير القرآن الكريم.
أسأل الله أنْ يتقبّله من كاتبه وأنْ يسلكه في سابغ رحمته ورضاه.
الشيخ الأستاذ الدكتور محمد سالم أبو عاصي